في ختام مؤتمر صحافي استمر ساعة كاملة، وجّه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتهاماً صادماً بأنّ جنوداً إسرائيليِّين لقوا حتفهم خلال حرب غزة بسبب نقص في الذخيرة، نجم جزئياً عن قيام الولايات المتحدة بتأخير تسليم بعض شحنات الأسلحة. وعلى رغم من أنّه لم يُحمِّل إدارة الرئيس السابق جو بايدن المسؤولية صراحة في تصريحاته، إلّا أنّه أوحى بذلك، قائلاً إنّ الوضع تغيّر بشكل لا يُقاس منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب منصبه قبل عام.
وأضاف: «دفعنا أثماناً باهظة جداً في الحرب. جزء من ذلك هو ببساطة ما يحدث في الحروب»، لكنّ جزءاً آخر كان أيضاً بسبب أنّه «في مرحلة معيّنة، ببساطة لم تكن لدينا ذخيرة كافية وسقط أشخاص، سقط أبطال. جزء من هذا النقص في الذخيرة كان نتيجة حظر».
أثار هذا الاتهام رداً حاداً من مسؤول سابق واحد على الأقل في إدارة بايدن معني بشؤون الشرق الأوسط، هو آموس هوكستين الذي ردّ على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّه «بعد أكثر من 20 مليار دولار من الدعم العسكري، وإنقاذ عدد لا يُحصى من أرواح الإسرائيليِّين»، فإنّ الردّ الوحيد المقبول على الرئيس بايدن والشعب الأميركي «هو شكراً».
أطلق نتنياهو الاتهام لطرح فكرة أوسع، تتعلّق بالتدرُّج في إنهاء اعتماد إسرائيل على مليارات الدولارات سنوياً من المساعدات العسكرية الأميركية، وهي فكرة قد تزيد من تقرّبه من الرئيس ترامب، الذي يدفع الحلفاء إلى المساهمة بشكل أكبر في الدفاع عن أنفسهم. وتستعد إسرائيل لبدء مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن مذكّرة تفاهم لحزمة متعدّدة السنوات من المساعدات العسكرية. وبلغت قيمة آخر حزمة مدّتها 10 سنوات 38 مليار دولار، وكانت الأكبر من نوعها. ووقّعتها إدارة أوباما عام 2016، ومن المقرّر أن تنتهي في عام 2028.
وقد ألغت تلك الصفقة بنداً خاصاً كان يسمح سابقاً لإسرائيل، المتلقّي الأكبر للمساعدات العسكرية الأميركية، باستخدام نحو ربع الأموال لشراء أسلحة إسرائيلية. وبدلاً من ذلك، نصّت على وجوب استخدام الأموال الأميركية لشراء أنظمة عسكرية أميركية، كما هو مطلوب من باقي متلقّي المساعدات.
وتبدأ المفاوضات الجديدة في وقت يتراجع فيه دعم الأميركيِّين لإسرائيل، بحسب استطلاعات رأي، إذ تعارض غالبية إرسال مساعدات إضافية إلى إسرائيل بسبب سلوك حرب غزة وارتفاع عدد القتلى.
وأوضح نتنياهو، أنّ إسرائيل اضطرّت إلى استخدام المدفعية والغارات الجوية خلال الحرب، لأنّ مقاتلي «حماس» تحصّنوا في مبانٍ مفخّخة. وعلى رغم من أنّ الجمهوريِّين لا يزالون عموماً أكثر دعماً لإسرائيل من كثير من الديمقراطيين، وفقاً لتلك الاستطلاعات، فإنّ بعض الجمهوريِّين في الكونغرس حريصون على تقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل، تبعاً لمبادرات «أميركا أولاً».
وانسجاماً مع هذا التوجّه، أعلن نتنياهو أنّ إسرائيل «بلغت سن الرشد»، وأنّه يعتزم الاستغناء عن الجانب المالي من المساعدة العسكرية الأميركية خلال عقد من الزمن، ويريد أن تموّل بلاده مشترياتها بنفسها، وأن تبني صناعتها العسكرية الخاصة. وأضاف نتنياهو، أنّ إسرائيل بحاجة إلى صناعة أسلحة «قوية» لجعل البلاد مستقلة قدر الإمكان، وضمان عدم افتقارها في أوقات الحاجة، فتنتقل العلاقة بالولايات المتحدة «من المساعدة إلى الشراكة»، مع استثمارات متكافئة، وإنتاج وتصنيع مشترك لأكثر أنظمة الأسلحة تقدُّماً.
كان الدعم الأميركي لأمن إسرائيل حجر الزاوية في العلاقة بينهما لعقود، ومتشابكاً مع أهداف استراتيجية مشتركة في الشرق الأوسط. وحتى اليوم، قدّمت الولايات المتحدة لإسرائيل نحو 174 مليار دولار من المساعدات الثنائية وتمويل الدفاع الصاروخي، وفقاً للحكومة الأميركية.
ولم تبخل إدارة بايدن في مساعدة إسرائيل خلال حرب غزة التي استمرّت عامَين. ففي نيسان 2024، أقرّ الكونغرس أكثر من 14 مليار دولار من المساعدات العسكرية الطارئة لإسرائيل، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي مثل «القبة الحديدية». وكان هذا أكثر من 3 أضعاف المبلغ الذي ترسله الولايات المتحدة عادة إلى إسرائيل في عام واحد.
غير أنّ إدارة بايدن، في الشهر التالي، أوقفت شحنة أسلحة تضمّ 3500 قنبلة ثقيلة، في خضم خلاف بشأن خطط إسرائيل لشن هجوم على رفح، أقصى مدن غزة الجنوبية، حيث كان مئات الآلاف من الفلسطينيِّين النازحين يحتمون في ذلك الوقت.
وأوضح مسؤولون أميركيون في تموز 2024، أنّ الإدارة ستصرّح بجزء من الشحنة، وترسل 1500 قنبلة زنة 500 رطل إلى إسرائيل، مع الاستمرار في حجب 1800 قنبلة زنة 2000 رطل. وأفرجت إدارة ترامب عن القنابل زنة 2000 رطل لإسرائيل في كانون الثاني 2025.
ويجادل خبراء إسرائيليّون بأنّهم غير متأكّدين من التأثير الذي خلّفه تأخير الشحنة على الحرب، وتوجد آراء متباينة بشأن قرار إدارة بايدن. فيرى بعض منتقدي نتنياهو أنّ أي نقص في الذخيرة لم يكن ناتجاً من إجراءات أميركية، بل أساساً عن كون إسرائيل فوجئت بالهجوم الذي قادته «حماس»، وكانت غير مستعدّة على نحو مؤسف لما تبيّن أنّه صراع طويل.
ووصف إسرائيل زيف، الجنرال الإسرائيلي متقاعد في مقال رأي نُشر على موقع الأخبار الإسرائيلي N12، إلقاء اللوم على بايدن بأنّه ليس أقل من «نكران للجميل وطعنة في ظهر صديقنا الأكثر وفاءً». ورأى جيريمي إساشاروف، السفير الإسرائيلي السابق لدى ألمانيا وخبير في ضبط التسلّح: «في نهاية المطاف، هو يعزو مقتل جنود إسرائيليِّين إلى أمر يمكن إرجاعه إلى حقيقة أنّ الحكومة الإسرائيلية لم تكن لديها سياسة واضحة لكيفية إنهاء الحرب. المسؤولية عن حياة الجنود الإسرائيليِّين تقع على عاتق الحكومة. نتنياهو سريع جداً في إلقاء اللوم على الآخرين».
ورأى آخرون في إسرائيل أنّ حجب بايدن للأسلحة كان أشبه بالخيانة، بحسب يعقوب عميدرور، الجنرال المتقاعد الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في حكومة سابقة لنتنياهو، مضيفاً: «نُظِرَ إلى ذلك على أنّه أمر لا يفعله الأصدقاء. وقد خلق شعوراً فظيعاً، بالنظر إلى الوضع الصعب الذي كانت فيه إسرائيل»، معتبراً أنّ خطوة بايدن شجّعت دولاً أخرى على فرض حظر جزئي على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.